علي الهجويري
47
كشف المحجوب
الحقيقة هو « الفقير لا يستغنى عنه » ، أي أن الفقير هو من لا يستغنى أبدا عن اللّه وهذا هو ما عناه الشيخ أبو إسماعيل عبد اللّه بن محمد بن علي الأنصاري الهروي رضى اللّه عنه حين قال : « إن حزننا أبدى ، فلا هممنا ترقى إلى تحقيق أهدافنا ، ولا كليتنا تفنى » فهو ليس بجنس تغفل الأعراض عن حديثه ، إذن تقع العراقيل دوما ، والتقدم في الطريق صعب وليس للدراويش بغافل ، وذلك الحبيب لمن تبدى ولا طريق له ، ووصاله ليس في مقدور الخلق وليس في الفناء تبدل في الصورة ، وليس المتغير خليقا بالبقاء ، فلا الفاني يصير باقيا أبدا ، حتى يكون ثم وصال ، ولا يصير الباقي فانيا حتى يكون ثم قرب ، فكل شغل أحبائه تنميق كلام برمته ، واستحداث المقامات والمنازل في الطريق راحة للأرواح ، فعباراتهم منهم لهم ، ومقاماتهم خليقة بهم ، والحق تعالى منزه عن أوصاف الخلق وأحوالهم . يقول أبو الحسين النوري : « علامة الفقير السكون عند العدم والبذل عند الوجود » « 1 » . يعنى أنه عندما لا يحصل على ما يرغب ، يكون ساكنا وعندما يحصل على شيء يعتبر غيره أكثر استحقاقا لهذا الشيء منه ، ولهذا يتركه . وما يشير إليه هذا القول ذو أهمية بالغة ، ويمكن أن نستنتج منه معنيين : - 1 - أن سكونه حينما لا يحصل على شيء رضى ، وبذله حينما يحصل على شيء محبة ، إذ أن كلمة « رضى » معناها قبول الخلعة ، وخلعة التشريف ورمز للقلوب ، بينما يرفض المحب الخلعة إذا كانت رمزا للفراق . 2 - سكونه حينما لا يحصل على شيء هو توقع منه أن ينال شيئا ، وعندما يحصل على ذلك الشيء يجد أنه غير اللّه ، وهو لا يقنع بشيء غير اللّه فيرى تركه .
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ص 62 .